المناوي

372

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

ومن مشايخه في الطّريق الشّيخ عمّار « 1 » ، وعليه كان انتفاعه . وأخذ عنه جمع كثيرون ، منهم الإمام الرّازي « 2 » . وكان شيخ الخلوة في زمانه على الإطلاق . وكان يقول : المريد لا يخلو من دفين مذموم في باطنه ، والشّيخ لا يقدر على قلعه إلّا بواسطة الخلوة . قال : ولمّا دخلت الخلوة كان في قلبي نوع رياء وسمعة ، وطلب لكلام أهل الطّريق لأعظ النّاس في رؤوس المنابر ، فأعدّ من جملتهم ، مع أنّي لست منهم ، فأعطيت شيئا من الكشف بقدر ما علمت به أنّ الطّريق صحيح ، لكن كان بناء الخلوة فاسدا لفساد غرضي ونيّتي ، فأخرجوني من الخلوة في الحادي عشرة ، فبقيت خارجها بقدر ما زال عنّي وجعها . وكان لي كتب وثياب ، فقلت في نفسي : إن دخلت الخلوة كما دخلت أخرجت كما أخرجت ، لكن أدخل مدخل صدق . فصفّيت النيّة ووقفت الكتب ، ووهبت الثّياب ، وتصدّقت بالدّراهم ، وتجرّدت ، ونبذت الدّنيا وراء ظهري ، وجعلت القيامة بين يدي ، ووضعت الرّوح بالكفّ ، وقلت : ها هي فخذها ، فحصل الفتح « 3 » ، وكان ما كان ممّا لست أذكره . ووقع له أنّه أدخل مريدا الخلوة ، فوقعت يده فيها على ذكره ، فتوقّف الفتح عليه مدّة ، ثمّ فتح عليه ، فلمّا خرج أخبره الشّيخ باطّلاعه على ذلك ، ثمّ نهاه عن العود لمثله ، وقال : أما علمت أنّ من في الخلوة في حضرة اللّه ، ولذلك

--> ( 1 ) وهو عمار بن ياسر البدليسي ، ومنه لبس الخرقة . مرآة الجنان 4 / 41 . ( 2 ) وهو فخر الدين الرازي صاحب التصانيف . انظر سير أعلام النبلاء 22 / 112 . ( 3 ) الفتح : 1 - ما يفتح على العبد من الرزق دون كدّ أو عناء . 2 - الفتح المبين : ما يفتح على العبد في مقام الولاية وتجليات أنوار الأسماء الإلهية . 3 - الفتح المطلق : هو أعلى الفتوحات وأكملها ، وهو ما يفتح على العبد من تجلّي الذات الأحدية ، والاستغراق في عين الجمع بفناء الرسوم الخلقية . انظر التوقيف على مهمات التعاريف : 548 .